أحمد بن محمد المقري التلمساني
180
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
مصنّفات في الحشائش لم يسبق إليها ، وتوفي بدمشق سنة ست وأربعين وستمائة ، أكل عقارا قاتلا فمات من ساعته ، رحمه اللّه تعالى ! . [ مثل من حفظ أهل الأندلس ] ومن حكاياتهم في الحفظ أن الأديب الأوحد حافظ إشبيلية ، بل الأندلس في عصره ، أبا المتوكل الهيثم بن أحمد بن أبي غالب ، كان أعجوبة دهره في الرواية للأشعار والأخبار ، قال ابن سعيد : أخبرني من أثق به أنه حضر معه ليلة عند أحد رؤساء إشبيلية فجرى ذكر حفظه ، وكان ذلك في أول الليل ، فقال لهم : إن شئتم تختبروني « 1 » أجبتكم ، فقالوا له : بسم اللّه ، إنّا نريد أن نحدّث عن تحقيق ، فقال : اختاروا أيّ قافية شئتم لا أخرج عنها ، حتى تعجبوا « 2 » ، فاختاروا القاف ، فابتدأ من أوّل الليل إلى أن طلع الفجر ، وهو ينشد وزن : [ الكامل ] أرق على أرق ومثلي يأرق « 3 » وسمّاره قد نام بعض وضجّ بعض ، وهو ما فارق قافية القاف . وقال أبو عمران بن سعيد : دخلت عليه يوما بدار الأشراف بإشبيلية ، وحوله أدباء ينظرون في كتب منها ديوان ذي الرّمّة ، فمدّ الهيثم يده إلى الديوان المذكور ، فمنعه منه أحد الأدباء ، فقال : يا أبا عمران ، أواجب أن يمنعه مني وما يحفظ منه بيتا ، وأنا أحفظه ؟ فأكذبته الجماعة ، فقال : اسمعوني وأمسكوه ، فابتدأ من أوّله حتى قارب نصفه ، فأقسمنا عليه أن يكفّ ، وشهدنا له بالحفظ . وكان آية في سرعة البديهة ، مشهورا بذلك ، قال أبو الحسن بن سعيد : عهدي به في إشبيلية يملي على أحد الطلبة شعرا ، وعلى ثان موشحة ، وعلى ثالث زجلا ، كلّ ذلك ارتجالا . ولمّا أخذ الحصار بمخنّق إشبيلية في مدة الباجي خرج خروج القارظين « 4 » ، ولا يدري حيث ولا أين . ومن شعره وقد نزل بداره عبيد السلطان ، وكتب به إلى صاحب الأنزال : [ الكامل ] كم من يد لك لا أقوم بشكرها * وبها أشير إليك إن خرست فمي
--> ( 1 ) كذا في نسح النفح ، والأفضل أن يقال : « تختبرونني » أو « إن شئتم أن تختبرونني » . ( 2 ) في ه : « حتى تعجبوا » وعجّ : رفع صوته . ( 3 ) هذا صدر بيت لأبي الطيب المتنبي والبيت هو : أرق على أرقي ومثلي يأرق * وجوى يزيد وعبرة تتدفق ( 4 ) أي خرج ولم يعد ، ولم يدر أحد إلى أين ذهب . شأن القارظين المضروب بها المثل في عدم الأوبة .